عبد الوهاب الشعراني
607
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
يرحمني ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ا ه . وقد تقدم في الحديث أن الملائكة تتأذى بما يتأذى به بنو آدم ، ومما يتأذى منه بنو آدم رؤيتهم العورات وشمهم القاذورات فلا ينبغي لمؤمن أن يكشف عورته خاليا حياء من اللّه ومن الملائكة . وقد كان أبو يزيد البسطامي إذا أراد أن يدخل الخلاء يبسط رداءه ويقول للملكين اجلسا أكرمكم اللّه حتى أقضي حاجتي . وكان الإمام البخاري يقلل أكله حتى انتهى إلى الاكتفاء في اليوم بثمرة أو لوزة ، فقيل له في ذلك فقال حياء من الملكين حتى لا يكثر ترددي إلى الخلاء ويشمون من أجلي الرائحة الكريهة ، وكذلك أدركت سيدي محمد بن عنان وسيدي تاج الدين الذاكر يفعلان ذلك . وأخبرني الشيخ عبد الباسط خادم الشيخ تاج الدين أنه قلل الأكل حتى صار يدخل الخلاء كل أسبوع مرة وجميع وضوئه في الأسبوع لكل صلاة كان تجديدا لا عن حدث ، فرحمة اللّه على أهل الأدب . وروى أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنّ إلّا نفسه » والغمر : هو ريح اللحم وزهومته . وروى الترمذي والحاكم مرفوعا : « إنّ الشّيطان جسّاس لحّاس فاحذروه على أنفسكم ، من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومنّ إلّا نفسه » . وفي رواية للطبراني بإسناد حسن : « من بات وفي يده ريح فأصابه وضح فلا يلومنّ إلّا نفسه » والوضح : المراد به هنا البرص . وروى الديلمي مرفوعا : « لا تبيّتوا القمامات في بيوتكم فإنّها مبيت الشّيطان » . وفي رواية : « فلا تبيّتوا منديل الغمر في بيوتكم فإنّه مبيت الشّيطان » واللّه تعالى أعلم . [ التورع عن أن نشير على أحد من الناس أن يتولى ولاية في هذا الزمان لعدم معرفتنا بمن يستحقها : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نشير على أحد من الناس أن يتولى ولاية في هذا الزمان لقصور نظرنا عمن يستحق تلك الولاية ، سواء كان المستشير ظالما أو قاضيا أو ناظرا على وقف ونحو ذلك ، فإن البلاء قد كثر على أهل تلك الوظائف ، فإذا أصابهم بلاء لا يطيقونه يصيرون يدعون على من أشار عليهم بذلك . فعلم أنه ينبغي لكل من عمل شيخا في هذا الزمان أن يقول لمن يستشيره في ولاية استخر ربك واعمل بما ينشرح به صدرك . واعلم يا أخي أن من الأدب أن لا تشفع قط عند ظالم أن يولي فلانا من تحت يده في الظلم وشفاعتك له عدم الشفاعة ، وإذا كان لا ينبغي لعاقل أن يشفع في أحد أن يتولى القضاء فكيف بالمكاسين ، وسنورد لك يا أخي الأحاديث الواردة .